السيد عبد الأعلى السبزواري
336
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
و ( ثم ) في قوله تعالى : ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ للتراخي في الإخبار ، لا في المخبر به . وجملة : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ابتدائية لا محل لها من الإعراب ، مبيّنة لوجه الشبه . بحث دلالي : الآيات الشريفة تدلّ على أمور : الأوّل : يدلّ قوله تعالى : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ على ظهور الكفر اليهود ظهورا بيّنا ، بحيث تعلّق به الإحساس ، فلم يبق أي احتمال لرشدهم واهتدائهم ، ولذا عقّبه سبحانه وتعالى بما يدلّ على الامتحان الذي هو الوسيلة الوحيدة لتمييز المؤمن عن الكافر . الثاني : يدلّ قوله تعالى : قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ على حقيقة من الحقائق الواقعيّة ، وهي أن كلّ مرشد اجتماعي لا بد له من مركز يعتمد عليه في ما يلاقيه في سبيل نشر دعوته ، والحافز الذي يحفزه على العمل عندما يرى ما يثبطه فيه ، وله الأثر الكبير في تنفيذ العمل وإنجازه ، وهذا ممّا نشاهده في القوى الطبيعيّة أيضا ، فإنها تتمركز في نقطة ثم تنتشر منها . الثالث : يدلّ قوله تعالى : قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ على جلالة قدر الحواريين ، فإنهم آمنوا بجميع ما انزل على عيسى عليه السّلام بعد ما كفر قومه ، وأسلموا أمرهم إلى اللّه تعالى واتبعوا ما جاء به رسولهم ، واتقوا اللّه وعبدوا اللّه ربّهم وسلكوا الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى السعادة والكمال . وهذا هو الذي طلبه عيسى عليه السّلام منهم عندما قال : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ، إلا أن جميع ذلك لا يدلّ على كونهم أوصياء أو أنبياء ممّا ورد في هذه الآيات الشريفة الدالّة على مدحهم والمبيّنة لعظيم منزلتهم من بين سائر الناس الّذين كفروا بعيسى .